علي الهجويري
58
كشف المحجوب
الابتعاد عن البشرية ، فلذلك كانت بلا رسم . ويقول أبو عمرو الدمشقي رحمه اللّه : « التصوف رؤية الكون بعين النقص بل غض الطرف عن الكون » « 1 » ، فقوله : « التصوف هو النظر إلى الكون بعين النقص ، هذا دليل بقاء الصفة ، وقوله : « بل غض الطرف عن الكون » هذا هو دليل بقاء الصفة عن النظر في الكون فحينما لا يبقى الكون لا يبقى النظر ، وغض الطرف عن الكون بقاء البصيرة الربانية ، أي أن كل من يعمى نفسه يبصر باللّه ذلك أن الكون يطلب من يطلبه ، فأعماله من نفسه وإليها ، فلا طريق خارجي يهرب به عن نفسه ، إذن فثمة شخص يرى نفسه ولكنه لا يرى مساوئه ، وآخرى يغض الطرف عن نفسه فذلك الذي يرى ، وإن كان يرى مساوئه فبصيرته حجاب ، وذلك الذي لا يرى لا يصير محجوبا بالعمى ، وهذا أصل قوى من أصول التصوف عند أرباب المعاني وليس هنا مقام شرحه . يقول أبو بكر الشلبى رحمه اللّه : « التصوف شرك » لأنه صيانة القلب من رؤية الغير ولا غير ، يعنى أن رؤية غير اللّه في التوحيد شرك وعندما لا يكون للغير قيمة في القلب فمن السخف أن تحمى القلب من تذكر الغير . ويقول الحصري : « التصوف صفاء السر من كدورات المخالفة » ومعناها أن من الواجب حماية القلب من الاختلاف مع اللّه ، إذ أن المحبة وفاق ، والوفاق عكس الاختلاف ، وليس للمحب إلا واجب واحد في هذا العالم ، وهو أن ينفذ أمر محبوبه . وإذا كان القصد واحدا فكيف يقوم الخلاف . ويقول محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنهم أجمعين « التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف » وحسن الخلق نوعان : متعلق باللّه وبالإنسان ، والأول الرضا بقضاء اللّه ، والثاني تحمل أعباء صحبة الناس من أجل اللّه . وهذا ان المظهرا خاصان بالطالب ، واللّه غنى عن رضا الطالب أو غضبه وتتوقف هاتان الصفتان على ادراك الطالب لوحدة اللّه .
--> ( 1 ) طبقات الصوفية ص 278 .